أحمد مصطفى المراغي

38

علوم البلاغة ( البيان والمعاني والبديع )

ومن مهلهلها وسهلها قوله عليه السّلام : " كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل وأعدد نفسك في الموتى ، فإذا أمسيت فلا تحدثها بالصباح ، وإذا أصبحت فلا تحدثها بالمساء ، وخذ من صحتك لسقمك ، ومن شبابك لهرمك ، ومن فراغك لشغلك " . وإن شئت إيضاحا وبيانا ، وعلما وعرفانا ، فوازن بين قول النمر بن تولب يذم الحياة : يود الفتى طول السلامة والغنى * فكيف ترى طول السلامة يفعل يكاد الفتى بعد اعتدال وصحة * ينوء إذا رام القيام ويحمل وقول الفند الزمّاني : أيا تملك يا تمل * وذات الطوق والحجل ذريني وذرى عذلي * فإن العذل كالقتل تجد المدى واسعا والهوة بينهما سحيقة والتفاوت لا حد لغايته ، أو اقرن بين قول معن بن أوس في الفخر : لعمرك ما أهويت كفي لريبة * ولا حملتني نحو فاحشة رجلي ولا قادني سمعي ولا بصري لها * ولا دلني رأيي عليها ولا عقلي وأعلم أني لم تصبني مصيبة * من الدهر إلا قد أصابت فتى قبلي وقول بشار بن برد : ربابة ربة البيت * تصب الخل في الزيت لها عشر دجاجات * وديك حسن الصوت ترى عجبا عاجبا وتفاوتا في الصنعة لا يحتاج إلى مراء أو جدل . وإن شاقك أن تعرف فاخر الكلام ورصينه ، وما يسابق معناه ولفظه ، ولفظه معناه ، وما لا يكون لفظه أسبق إلى سمعك من معناه إلى قلبك ، وما قالوا في مثله إنه يدخل في الآذان بلا استئذان فانظر قول الرقاشي في العظة والاعتبار : " سل الأرض من شق أنهارك وغرس أشجارك وجنى ثمارك فإن لم تجبك حوارا أجابتك اعتبارا " . وقول بعض الكتاب : مثلك أوجب حقا لا يجب عليه ، وسمح بحق وجب له ، وقبل واضح العذر ، واستكثر قليل الشكر ، لا زالت أياديك فوق شكر أوليائك ، ونعمة اللّه عليك فوق آمالهم فيك .